محمد جمال الدين القاسمي
466
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 168 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا حال أو مفعول ، وهو ما انتفى عنه حكم التحريم طَيِّباً أي : مستطابا في نفسه ، غير ضارّ للأبدان ولا للعقول . وقد روى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده عن ابن عباس قال : تليت هذه الآية عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً فقام سعد بن أبي وقاص فقال : يا رسول اللّه ! ادع اللّه أن يجعلني مستجاب الدعوة ! فقال : يا سعد ! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة . والذي نفس محمد بيده ! إنّ الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما ، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والرّبا فالنار أولى به . . . ! وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وهي طرائقه ومسالكه فيما أضلّ أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها . . . مما زينه لهم في جاهليتهم ، كما في حديث عياض بن حمار الذي في صحيح مسلم « 1 » عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : يقول اللّه تعالى : إنّ كلّ مال منحته عبادي فهو لهم حلال . وفيه : وإني خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها ، حديث 63 . وهاكموه بنصه الكامل : عن عياض بن حمار المجاشعي ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ذات يوم في خطبته « ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ممّا علّمني ، يومي هذا . كلّ مال نحلته عبدا ، حلال . وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم . وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم عن دينهم . وحرّمت عليهم ما أحللت لهم . وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا . وإنّ اللّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عربهم وعجمهم ، إلّا بقايا من أهل الكتاب » . وقال « إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك . وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء . تقرؤه نائما ويقظان . وإنّ اللّه أمرني أن أحرق قريشا . فقلت : ربّ ! إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة . قال : استخرجهم كما استخرجوك . واغزهم نغزك . وأنفق فسننفق عليك . وابعث جيشا نبعث خمسة مثله . وقاتل بمن أطاعك من عصاك . قال : وأهل الجنّة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق . ورجل رحيم رقيق القلب لكلّ ذي قربى . ومسلم . وعفيف متعفّف ذو عيال . قال : وأهل النّار خمسة : الضّعيف الّذي لا زبر له ، الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون أهلا ولا مالا . والخائن الّذي لا يخفى له طمع ، وإن دقّ إلّا خانه . ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك » .